الرحلة الثانية والعشرون
قوات المارينز
أوستن فبراير 0202
كنت عائدًا من رحلة عمل في ألمانيا، بدأت جائحة كورونا في الانتشار في الصين ومعظم البلدان الآسيوية، ولكن الإجراءات الاحترازية في المطارات الأوروبية والأمريكية لم تكن قد بدأت بعد وسط أنباء متضاربة عن خطورة الوباء.
كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل في مطار أوستن، وصل سائق أوبر ليقلني إلى المنزل، كانت السيارة Truck من نوع دودج كبيرة سوداء اللون (الذي يسمى في مصر نصف نقل)، أضاف سائقها إلى الإطارات «سوست» لكي تكون أكثر ارتفاعًا عن مثيلاتها من السيارات، فقد كانت السيارة تشبه الثور الأسود العملاق، احترت أين أضع حقائبي فليس من المعقول أن أتركها في الحقيبة الخلفية للسيارة المفتوحة والمعرضة للهواء الطلق، نزل السائق وكان أبيض البشرة، أشقر الشعر، ضخم الجثة يرتدي قميصًا أسود نصف كم في هذا الطقس البارد، رفع حقيبتي التي تزن ما يقرب من 25 كجم بيد واحدة وفتح الباب الخلفي للسيارة واضعًا أغراضي على المقعد الخلفي من السيارة ثم نظر إليّ وقال: فلتقعد بجانبي في الأمام.
وجه إليّ الأمر بالركوب بجواره ولم أملك سوى الإذعان مع شعوري بعدم الارتياح، جلست في المقعد المجاور له، كانت السيارة ضخمة من الداخل، كل شيء فيها كبير الحجم حتى السائق نفسه، رأيت صورة له بالزي العسكري مثبتة في منتصف لوحة القيادة، انتابني إحساس أنه واحد من هؤلاء الذين يطلق عليهم Rednecks «ريدنيكس» وهي كناية تدل على المتعصبين من ذوي البشرة البيضاء، فضلت السكوت وألا أبدأ الحديث معه خاصة أنه يمكن لجندي مثله معرفة أصولي الشرق أوسطية بسهولة.
بدأ هو الحديث قائلًا: هل منزلك هنا في أوستن أم في زيارة؟
- منزلي هنا في أوستن، لقد استقررت هنا منذ ما يزيد على العشرة أعوام.
- وأين كنت قبل أن تأتي لأوستن؟
- دبي.
- هل أنت من هناك؟
- كلا أنا مصري وأحمل الجنسية الأمريكية.
- مصر بلد عظيم مليء بالتاريخ والحضارة.
- هل قمت بزيارتها؟
- لقد عبرت قناة السويس أثناء تمركزي في الشرق الأوسط مع الجيش الأمريكي.
- أين كانت خدمتك العسكرية في الشرق الأوسط؟
- قضيت بعض الوقت في الكويت وأفغانستان وتنقلت بين عدة سفارات في المنطقة، فقد كنت من قوات المارينز المخصصة لتأمين السفارات الأمريكية في الخارج.
- وما هو انطباعك عن المنطقة هناك؟
- الناس أغلبهم يتميز بالطيبة والكرم، أتذكر بعض الأهالي في أفغانستان كانوا يصرون على إطعامنا خلال قيامنا بتأمين الأحياء السكنية، ما زلت أتذكر الخبز الأفغاني الساخن (وذكر لي عدة أطباق أخرى لم أكن أعلم أيًّا منها).
- وماذا عن حركة طالبان، هل كانت هناك الكثير من المناوشات؟
- بالطبع، فهم يسكنون المناطق الوعرة ويعرفون طبيعة البلاد جيدًا، كانوا يغيرون على المدن والأماكن السكنية من وقت لآخر لإثارة الاضطرابات وتهديد السكان المسالمين.
- ما يثير دهشتي كيف عجزت أمريكا بكل تطورها عن التخلص من حركة بدائية مثل طالبان؟ وما يثير دهشتي أكثر أني قرأت مؤخرًا أن الحكومة الأمريكية قد توصلت لاتفاق وقف نار وسلام مع طالبان، ألم يعتبر الأمريكان من قبل حركة طالبان منظمة إرهابية؟
- هي ليست حركة بدائية كما تعتقد، فالحركة يأتيها تمويل من كل أعداء أمريكا في المنطقة على هيئة أسلحة ومعدات تقنية حديثة وأموال تمكنهم من تعيين وتجنيد الكفاءات في جميع المجالات، لقد تمكنا من القبض على أوربيين من السويد وألمانيا يحاربون في صفوف القاعدة وطالبان، هم في الحقيقة يجندون باسم الدين ولكن يتم استغلالهم في خوض حروب لإضعاف الموقف الأمريكي في المنطقة.
سألته سؤالًا ولم أكن أتوقع أن يقوم بالإجابة: مثل من؟
- هناك دوافع ظاهرة وأخرى خفية، مثلًا هناك بعض الدول في سوق السلاح العالمي تريد أن تثبت أن أسلحتها لديها القدرة على مواجهة الأسلحة الأمريكية والتفوق عليها، من مصلحة هذه الدول أن تظل هناك أماكن للصراع يتم فيها اختبار الأنواع المختلفة من السلاح، ولكي تضفي على هذا النزاع نوعًا من القدسية يستخدمون عناصر المخابرات والأموال الطائلة لتجنيد الشباب للدفاع عن الدين والمقدسات.
- هذا يذكرني تمامًا بما فعله الأمريكان في أفغانستان عندما احتلها الاتحاد السوفييتي، فقد أمددتم المجاهدين بالأسلحة المتطورة وتم تدريبهم على فنون القتال الحديثة لمقاومة الاحتلال السوفييتي ووقف الزحف الشيوعي على المنطقة، وبالفعل تم طرد السوفييت من أفغانستان ولكن لم يدر المجاهدون الأفغان ماذا يفعلون بكل هذه الأسلحة، لم يكن لديهم مهنة أخرى سوى القتال فانقلبوا على صانعيهم وحاربوا الأمريكان، ومنهم انبثقت حركة طالبان.
ابتسم السائق وقال: نعم، ما قلته يلخص كيف صنع الأمريكان في الماضي وحشًا كاسرًا انقلب عليهم وأذاقهم أشد المرار، معظم الحروب التي تدار الآن هي حروب بالوكالة (proxy wars) لخدمة أهداف غير معلنة من دول لها أطماع سياسية أو اقتصادية، مثل ما يدور حاليا في سوريا بين روسيا وإيران من جهة وتحالف الناتو وحلفائهم في المنطقة من جهة أخرى.
- للأسف قد تم قتل ملايين الأبرياء في هذا الصراع القذر لفرض الهيمنة والسيطرة على ثروات المنطقة.
- صدقني، أي معركة حربية أو عمل إرهابي يتم فيه قتل الأبرياء من المدنيين العزل هو عمل قذر الغرض منه إشعال نار الفتنة وتوسيع نطاق الدمار لخدمة أهداف أخرى، من قال لك أن مصدر الدخل الأساسي لفرنسا هو العطور، وسويسرا الشكولاته، وأمريكا التكنولوجيا، وألمانيا السيارات قد كذب، الدخل الأساسي لهذه الدول يأتي من بيع الأسلحة ونشر الخوف من العدو، والذي قد يكون وهميًّا ولا أساس له.
- كما حدث في حرب احتلال العراق عندما زعمت الولايات المتحدة وجود أسلحة نووية في العراق، فقد كان الغرض تدمير العراق وسيطرة أمريكا على المصادر الحيوية في هذا البلد الغني.
- نعم، وإن كانت هناك ملفات أخرى أرغمت أمريكا على التدخل في العراق مثل حماية حلفائها من مخاطر صدام حسين وملفات الاضطهاد وحقوق الإنسان.
- وهل تعتقد أن شعب العراق يعيش في أمان الآن؟
- لا، فالوضع في العراق أكثر تعقيدًا مما كنا نتصوره عندما قمنا باحتلال العراق، هناك العديد من الأعراق والخلفيات الدينية المختلفة المتنازعة، ودول أخرى تريد فرض سيطرتها على البلد عن طريق استغلال مواطنين عراقيين يدينون لهذه الدول بالولاء، ما بين الأكراد والشيعة والسنة والمخابرات الإيرانية والباكستانية ودول أخرى عديدة اتخذت من العراق مكانًا لإدارة نزاعها مع أعدائها، وجدنا أنفسنا في المنتصف في محاولة يائسة لإعمار العراق مرة أخرى وبناء بلد ديمقراطي، انسحابنا في هذه المرحلة كان سيتسبب في كوارث أكبر.
- ولكن الجيش الأمريكي انسحب في النهاية.
- نعم، معظم الجيش الأمريكي عاد من العراق مع بقاء بعض القوات الاستشارية لمساعدة الجيش العراقي، كان قرارًا متخبطًا من الحكومة الأمريكية السابقة وتم تنفيذه كأنه انسحاب بالرغم من تواجد مكثف لأجهزة المخابرات والاستطلاع في المنطقة للحد من خطورة الإرهابيين.
تحدثت مع السائق عن الصراع بين أمريكا وإيران وكيف يحاول ترامب إثارة العالم على إيران من خلال إيقاعهم في نفس الفخ الذي وقع فيه صدام حسين وهو فخ الأسلحة النووية، وكان رده أن الإيرانيين يبتلعون الطعم ويصرون على إظهار عدائهم لإسرائيل والتهديد بإبادتها من على وجه الأرض، أخبرني أنه قضى بعض الوقت في إسرائيل لتدريب قواتهم الخاصة على استخدام الأسلحة الأمريكية الحديثة وكيف أنه اندهش عندما وجد عندهم أجهزة وأساليب أكثر تطورًا مما لدى الأمريكان لمكافحة الإرهاب والتنصت.
على عكس ما توقعت لم يكن الرجل متعصبًا للسياسات الأمريكية، بالطبع ينتمي لبلده وفخور بخدمته بالجيش الأمريكي ولكنه يعترف بأخطاء أمريكا السياسية والعسكرية وظلت جملته عالقة في ذهني «من قال لك أن مصدر الدخل الأساسي لفرنسا هو العطور، وسويسرا الشكولاته، وأمريكا التكنولوجيا، وألمانيا السيارات قد كذب، الدخل الأساسي لهذه الدول يأتي من بيع الأسلحة ونشر الخوف من العدو».
النهاية
أتمنى أن يكون قد أتاح هذا الكتاب لقارئه الفرصة للتعرف على البعض من عادات وثقافات البلاد والشعوب المختلفة، التي كنت سعيد الحظ بزيارتها وتبادل هذه الأحاديث وسماع تلك القصص الشيقة من سكانها من مواطنين ومهاجرين.
الشيء المضحك أنه عندما أيقنت أن قصص أوبر التي أقوم بتجميعها أصبحت تمثل محتوى شيقًا (كنت قد كتبت تقريبًا معظم القصص في هذا الكتاب)، وبدأت تتبلور في عقلي فكرة نشر هذا المحتوى في كتاب تحت تصنيف أدب الرحلات، أصبحت أنتهز أي فرصة لركوب سيارات أوبر ومحاولة استدراج السائقين في أحاديث قد أخرج منها بقصة أو عبرة جديدة، ولكن كنت غالبًا ما أفشل ويكون الحديث سطحيًّا خاليًا من أي أحداث شيقة، وفي مرات عديدة أخرى عندما
لا أعير الأمر انتباهًا وقد لا تكون لدي النية في الحديث عندها يأتي إليّ القدر بقصة شيقة تكون فيها العبرة والفائدة.
من هذه التجارب أدركت أنه يجب ألا تستعجل القدر وأن تترك الأمر حتى يأتي في وقته المحدد وقد تتفاجأ بما تأتي به المقادير.
صديقي القارئ لعلك بعد قراءتك لهذا الكتاب قد أدركت كم أثرت القصص الإنسانية التي سمعتها في شخصيتي وقناعاتي والتي فيها لمست معاناة المهاجرين ومن أزمة الهوية والتفرقة العنصرية والعرقية والدينية، ولكن في نفس الوقت تحتوي هذه القصص على نماذج يحتذى بها من قوة الإصرار والعزيمة ومحاولات التأقلم والسعي وراء تحقيق الهدف مهما كانت المثبطات.
ستجدني في مرات عديدة استخدمت عبارات توضح قناعاتي حول عدم وجود المجتمع المثالي أو المدينة الفاضلة لأني كمهاجر دائمًا ما ينتابني هذا الإحساس بأني ممزق بين حنيني للشرق بدفئه وعلاقاته الإنسانية والروابط العائلية المتينة وبين الغرب الذي يتيح لي الفرصة العادلة والنظام المترسخ في سلوكيات شعوبه ووسائل التكنولوجيا المتقدمة التي تسهل من أمور حياتي اليومية وتجعل الفرد أكثر إنتاجًا.
في مرات عديدة كنت أتخذ قرار الرجوع إلى مصر لعدم قدرتي على تحمل حياة الغرب المادية الجافة وعند نزولي لمصر وبعد مرور ثلاثة أسابيع أجدني متوترًا وأعد الساعات حتى يحين موعد رجوعي مرة أخرى إلى أوستن، هذه هي حياة التشتت التي يعيشها المهاجر محاولًا تحقيق التوازن بين عادات وتقاليد نشأ عليها وترسخت في وجدانه وأفكاره وعادات مختلفة ينتهجها أطفاله وجيرانه وزملاؤه في العمل يحاول التأقلم عليها ومسايرتها.
ولعلك أيضا صديقي القارئ أدركت معي ما في السفر من متعة، تتحقق عند مقابلة أشخاص ذوي خلفيات وثقافات مختلفة تتبادل معهم خبرات الحياة وتتعلم منهم أشياء لم تكن لتعلمها إن لم تتح لك فرصة السفر والاحتكاك بمثل هذه الثقافات.
لم ينته رصيدي من حكايات السفر بعد، فهناك العديد من القصص التي حدثت في بلدان مختلفة لم أسلط الضوء على عادات شعوبها في هذا الكتاب، مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا (أكثر البلاد الغربية المحببة لقلبي للتشابه الكبير بين الشعبين الإيطالي والمصري)، وأشياء غير تقليدية قابلتها في اليابان وإيران وسويسرا لعلي أجد الفرصة وأتمكن من كتابتها في يوم من الأيام.
تم بحمد الله