الرحلة الأولى
العبيد البيض
سيـاتـل مايو 7102
بعد أسبوع عصيب من الاجتماعات المتواصلة التي عادة ما تبدأ من الثامنة صباحًا وتنتهي في الثامنة ليلًا، أذهب بعدها إلى العشاء الذي فيه غالبا ما تستمر محادثات العمل مع الزملاء حتى نهلك تمامًا في آخر الليل، جاء موعد الرجوع للمنزل والأسرة، استقللت سيارة أوبر من الفندق في الصباح الباكر متجهًا إلى المطار للحاق بالطائرة المتجهة إلى مدينة أوستن، حيث أسكن منذ عشر سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية.
كان سائق أوبر أسود البشرة ضخم الجثة، لديه لكنة قوية، قابلني بابتسامة عريضة وعبارات الترحيب، من الواضح من لكنته أنه من الجيل الأول من المهاجرين قادمًا من إفريقيا «تماما كحالي»، هذا الجيل الأول من المهاجرين هم من نشأوا في بلدان أخرى ولأسباب متعددة ومختلفة قرروا الرحيل، وبدء حياة جديدة في بلد غريب لديه من الثقافة والعادات والتقاليد ما لم يعهدوه في وطنهم الأم، عادة ما يعاني هذا الجيل الأول من المهاجرين من أزمة الهوية، فهم
لا يستطيعون نسيان الوطن الأم ومطلوب منهم الاندماج والتعايش مع الوطن الجديد بثقافاته وعاداته وتقاليده.
بدأنا الرحلة إلى المطار، نظرت من نافذة السيارة كانت الغيوم والسحب تملأ سماء سياتل المشهورة بأمطارها الغزيرة طوال العام وندرة سطوع الشمس فيها، أسماء الشركات التكنولوجية المشهورة معلقة على المباني الضخمة المنتشرة في أنحاء المدينة وعلى واجهتها البحرية، فالمدينة معروفة بأنها منشأ عملاقي التكنولوجيا المشهورين عالميًا؛ مايكروسوفت وأمازون، تستطيع أن تلمح رسمة نبات الماريجوانا في أماكن متعددة فبيع المخدر قانوني في ولاية واشنطن وهناك منافذ لبيعه في كل حي في المدينة طبقًا لقواعد محددة تنظم عملية البيع والاستهلاك، في إحدى المرات أثناء تجولي عند الواجهة البحرية للمدينة وجدت كمًّا هائلًا من عناصر البوليس المنتشرين في كل مكان بشكل مكثف ولافتات مرسوم عليها نبات الماريجوانا معلقة في أماكن متفرقة، اقتربت من أحدهم وسألتها ماذا يجري فأنا غريب عن المدينة. ابتسمت السيدة وقالت: إنه الموعد السنوي لمهرجان الحشيش. تفهمت وقتها لماذا يتصرف المارة من حولي بشكل غريب وسر هذه الرائحة النفاذة في الجو، وعلمت أن للمخدرات مهرجانًا في سياتل يتم حمايته بواسطة البوليس.
قلت للسائق وأنا أنظر للسماء الملبدة بالغيوم: أنا لا أستطيع أن أحتمل مثل هذا الطقس لفترة طويلة، قد تصيبني هذه الغيوم بالاكتئاب.
رد السائق ضاحكًا: من أجل ذلك قررت أنا وزوجتي أن نرحل عن سياتل نهائيًّا خلال الشهر القادم، لقد كبر أولادنا واستقل كل منهم في حياته وهذا الطقس لا يناسبني كإفريقي ذي بشرة سوداء، لقد بدأت مؤخرًا في أخذ الحبوب المضادة للاكتئاب بناءً على توصية الطبيب.
نظرت إليه باندهاش وسألته مستفسرا: هل هذا شيء متعارف عليه هنا في سياتل؟ لقد لاحظت توافر مخدر الماريجوانا وإقامة مهرجان له، ولكن لم أدرك أن أدوية الاكتئاب تستخدم للتأقلم مع الطقس.
فأجاب: نعم، الكثير من الناس يأخذون حبوب الاكتئاب للتغلب على غياب الشمس في معظم أوقات السنة، فمعدلات الطلاق والانتحار في هذه المدينة هي من أعلى المعدلات في الولايات المتحدة، لا بد وأن تكون قد تأقلمت على مثل هذا الطقس من الصغر لكي تتمكن من الاستقرار والحياة في مكان لا تسطع فيه الشمس بشكل دوري ومنتظم، لقد تيقنت الآن أني لا أقدر على احتمال هذا الطقس أكثر من ذلك.
- وأين ستذهب؟
- سان دييغو، كاليفورنيا.
ضحكت وقلت للسائق: ولكنها واحدة من أكثر المدن غلاءً في أمريكا؛ فالكل يفكر مثلك، يبحث عن الطقس الجيد وفصول السنة الأربعة حيث تكون الفروقات طفيفة في درجة الحرارة.
أجابني سائق أوبر: لقد كبرت في السن ولقد أديت رسالتي مع أولادي وأرغب في أن أستمتع بما تبقي لي من العمر، سنذهب لنجرب حظنا في سان دييغو، وإن لم يحالفنا الحظ سنجرب مكانًا آخر، حيث تسطع الشمس فيه طوال العام.
- هل تعلم أني إفريقي مثلك، وأني لا أستطيع العيش بعيدًا عن الشمس؛ فأنا أسكن في ولاية تكساس حيث تسطع الشمس طوال العام.
نظر إليّ في دهشة ثم قال: لم أخمن على الإطلاق أنك من إفريقيا! من أين أنت؟
- من أين كنت تظنني؟
- أمريكا اللاتينية، الأرجنتين أو المكسيك.
- كلا أنا من مصر.
- مصر! أنا أحب المصريين كثيرًا.
نظرت إليه باستغراب ثم قلت: ولماذا تحب المصريين؟
- لأنهم الشعب الوحيد ذو البشرة السوداء الذي تمكن من استعباد الجنس الأبيض من البشر.
نظرت إليه في ذهول ثم قلت: ماذا تقول؟
أجابني: في الإنجيل يقول الرب أن المصريين في عهد الرسول موسى كانوا من ذوي البشرة السوداء (جنوب مصر) وكان اليهود ذوو البشرة البيضاء يعملون كعبيد لديهم؛ ينظفون المنازل ويفلحون الأرض ويقومون بالأعمال الدُّنيا الأخرى، عندما أقرأ هذا في الكتاب المقدس ينتابني الأمل بأن الأيام دِوَل وأنه في يوم من الأيام قد يرجع إلينا السلطان مرة أخرى كما كان في يد أجدادنا الأفارقة المصريين.
سألته في حيرة: هذه نظرة غريبة للتاريخ؛ الاستعباد شيء سيئ في كل الأحوال، لماذا ترغب في استعباد الناس من ذوي البشرة البيضاء؟
- يا صديقي أنت لم تذق مرارة التفرقة العنصرية؛ نحن ما زلنا في بلد عنصري، لقد أصبحنا أفضل من ستينيات القرن الماضي وما قبلها ولكن ما زال هناك أحياء لا يُسمح بدخول السود إليها حتى الآن،
ولا يزال يسكن ذوو البشرة السوداء الأحياء الأكثر فقرًا وانتشارًا للجريمة في غالبية المدن الأمريكية.
- ولكن هناك من هم من ذوي البشرة السوداء واستطاعوا أن يحققوا نجاحات مبهرة في مختلف المجالات الثقافية والفنية والسياسية!
- هذا مجرد غطاء صوري يُستخدم لكي يداري على نماذج وصور العنصرية المنتشرة في كل مكان، ما هي نسبة أن يستطيع طفل أسود في أن يصبح رجل أعمال ناجحًا أو من طبقة النخبة مقارنة بذوي البشرة البيضاء؟
أكمل السائق مستطردًا: معظم المشاهير والنخبة في مجال الأعمال والسياسة من ذوي البشرة البيضاء؛ حتى أوباما بذاته جاء للتغطية على هذه الحقيقة ورغبة الحزب الديمقراطي في تقديم بديل غير تقليدي للفوز بالانتخابات، هذا يبدو واضحا، عندما تنظر لمعظم المقربين من أوباما فهم من الجنس الأبيض، ومنهم من له تاريخ مخزٍ في قضايا التفرقة العنصرية.
- هل تسمح لي أن أسألك من أين أنت؟
- أنا من بنين (تقع في غرب إفريقيا).
- وهل تفكر في يوم من الأيام العودة إلى بنين؟
- لقد عشت في هذا البلد ما يزيد على عشرين عامًا وأطفالي نشأوا على الثقافة الأمريكية فهم لا يتحدثون لغتنا المحلية أو يألفون العادات والتقاليد هناك، كما أن في بنين يسود الفساد والفقر، هناك يوجد نوع آخر من الاضطهاد، فرص العمل والحياة المريحة متوفرة فقط للنخبة والصفوة من الناس وإن لم تكن من هذه النخبة فليس لديك الفرصة للحصول على حياة كريمة.
أخذت أفكر في ما قاله سائق أوبر؛ هناك الكثير من السياسات والقرارات التي تحاول الأنظمة السياسية في إظهارها لنا بصورة جيدة وبراقة كنماذج لتطبيق الديمقراطية ولكن هي في الحقيقة تخدم المصالح الشخصية للقائمين على هذه الأنظمة؛ بعكس ما يعتقد هذا السائق فلقد رأيت الكثير من مظاهر التفرقة عندما كنت مسئولًا عن إدارة بعض المشاريع في عدة دول في الشرق الأوسط؛ رأيت كيف أن راتب المصري يختلف عن الفرنسي والإنجليزي والأمريكي، ودائمًا ما يكون ذوو الجنسية الغربية هم المفضلون لإدارة الأعمال والفوز بالصفقات الكبرى.
وهنا في أمريكا، إن كان اسمك جون أو مايكل فاحتمال حصولك على وظيفة أكبر بكثير من أن يكون اسمك محمد أو أسامة أو أي اسم عربي آخر، وإن كانت هناك قوانين تجرم التفرقة العنصرية والعرقية والدينية والجنسية ولكن في حقيقة الأمر إثبات حالات وقضايا التفرقة أمر صعب للغاية. هناك العديد من القضايا المشهورة التي استطاع رافعوها الحصول على تعويضات تقدر بالملايين عندما تمكنوا من إثبات أنهم تعرضوا للتفرقة في العمل أو من المجتمع ولكن أيضًا هناك الكثير ممن فقدوا حياتهم في حوادث لها علاقة بالتطرف المنبعث من الاختلاف العرقي أو يحيون حياة مضطربة نتيجة لشعورهم بالاضطهاد وعدم المساواة.
نظرت من النافذة بجانبي إلى السحب المتكاثفة بلونها الرمادي الغامق الحاجب لضوء الشمس التي تجعل الفرق بين صباح اليوم ومسائه غير ملحوظ؛ فالسماء مظلمة طوال اليوم، كان رذاذ المطر الذي يتساقط على زجاج النافذة يحجب الرؤية ويجعل ملامح المدينة غير واضحة، أدرت بصري إلى سائق أوبر وقلت له: أتمنى لك حظًّا موفقًا في سان دييغو؛ فنحن الأفارقة لا نستطيع الحياة بعيدًا عن الشمس.